مقاصد اللباس الشرعي

مقاصد اللباس الشرعي للرجل والمرأة

الإسلام هو الدين الحق الذي جاء لتنظيم حياة البشر في جميع ميادين الحياة كلها فما من شيء يتعلق بأمور الدين والدنيا إلا وللإسلام فيه مقصد يهدف إلى تحقيقه لأن الإسلام في الحقيقة دين أنزله الله تعالى لحفظ لحياة الإنسان من كل عيب ومن كل نقص ومن كل ما يشينها ويعكر صفوها فهو يهدف إلى تحقيق المصلحة التامة للرجل والمرأة على السواء. وكما أن الإسلام اهتم بإصلاح باطن الإنسان (القلب) بتشريعات وآداب وأخلاق فهو قد اهتم أيضا بإصلاح ظاهره بتشريعات وآداب وأخلاق ليكون على أحسن سلوك وأجمل هيئة فيجمع بين الحسنيين صفاء الباطن وجمال الظاهر. وجمال الظاهر هو فطرة في الإنسان، فكل إنسان يسعى إلى أن يكون على أحسن حال، وهذا أمر متفق عليه بين البشر، ولكن هذا يختلف باختلاف أهواء وطبائع البشر وأذواقهم، ولما كانت الأهواء مختلفة، والأذواق متعددة، فإن التشريع الإسلامي حسم مسألة اللباس بضوابط شرعية، تحقيقا لمقاصد معينة، وأهداف غالية، وآداب سامية، وهي ما يلي:

المقصد الأول: الستر والتغطية: فمن بين أولى مقاصد اللباس من منظور القرآن والسنة هو ستر العورة وتغطية البدن. وهذا يعد تكريما من الله تعالى للبشر، حتى يتميزوا عن بعض المخلوقات التي جعل الله تعالى حياتها تقوم على ما خلقت عليه. قال تعالى:( يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوءاتكم وريشا ولباس التقوى ذلك من آيات الله لعلهم يذكرون) الأعراف. قال الإمام القرطبي: قال كثير من العلماء: هذه الآية دليل على وجوب الستر؛ لأنه قال:( يواري سوءاتكم) فقوله تعالى:( لباسا يواري سوءاتكم) إشارة إلى مقصد الستر وهو أن من مقاصد اللباس الستر وتغطية العورة؛ لأن النظر إلى العورات مما يسوء الإنسان رؤيته. وفي هذا يقول الإمام ابن كثير رحمه الله في تفسير الآية: يمتن الله تعالى على عباده بما جعل لهم من اللباس، فاللباس ستر العورات وهي السوءات، والرياش والريش ما يتجمل به ظاهرا، فالأول من الضروريات (أي الستر) والريش من المتكملات والزيادات " تفسير ابن كثير. وقوله تعالى بعد هذه الآية:( يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوءاتهما...) قال الشيخ الصابوني في تفسير الآية: أي ينزع عنهما اللباس لتظهر العورات، ونسب النزع إليه (أي إبليس) لأنه المتسبب، وهذا هدف اللعين أن يهتك الستر عن الإنسان ويعرِّيه من جميع الفضائل الحسية والمعنوية. ثم يقول: فمن دعا إلى تعري المرأة وشجع على ذلك كما هو حال من يزعم التقدمية ويدعو المرأة إلى نزع الحجاب بدعوى الحرية والمساواة فإنما هو عدو للمرأة، ومن أنصار إبليس اللعين لأن الهدف واحد، وهي دعوة مكشوفة غايتها التفسخ والانحلال الخلقي، وليست التقدمية بالتكشف والتعري وإنما هي بصيانة الشرف والعفاف ولله در القائل:

يا ابنتي إن أردت آية حسن ** وجمالا يزين جسما وعقلا

فانبذي عادة التبرج نبـــذا ** فجمال النفوس أسمى وأعلى

يصنع الصانعون وردا، ولكن ** وردة الصانع لا تضارع شكلا.

المقصد الثاني: التجمل: لقوله تعالى:( وريشا ولباس التقوى ذلك خير) وقد فسر العلماء الريش هنا بأنه اللباس فقد ذكر ابن كثير عن ابن عباس أنه قال: الريش: اللباس، والعيش والنعيم. وقال ابن أسلم: الرياش الجمال. ومما يدل على أن اللباس جمال وزينة قوله تعالى: {يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد} قال ابن كثير: وقال العوفي عن ابن عباس: كان رجال يطوفون بالبيت عراة، فأمرهم بالزينة، والزينة اللباس، وهو ما يواري السوءة..). وعن أبي مطر قال:( (إن عليا اشترى ثوبا بثلاثة دراهم فلما لبسه قال: الحمد لله الذي رزقني من الرياش ما أتجمل به في الناس وأواري به عورتي)) ثم قال: هكذا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول)) رواه الإمام أحمد. وهذا يدل على أن من أهداف اللباس الزينة والتجمل كما فعل على رضي الله عنه، وكما كان يفعل الرسول صلى الله عليه وسلم.

قال ابن كثير: ولبس أبو أمامة ثوبا جديدا، فلما بلغ ترقوته قال: الحمد لله الذي كساني ما أواري (أي أستر) به عورتي، وأتجمل به في حياتي، ثم قال: سمعت عمر بن الخطاب رض الله عنه يقول:( من استجد ثوبا فلبسه فقال حين يبلغ ترقوته: الحمد لله الذي كساني ما أواري به عورتي وأتجمل به في حياتي، ثم عمد إلى الثوب الخلق فتصدق به، كان في ذمة الله وفي جوار الله وفي كنف الله حيا وميتا) رواه أحمد والترمذي وابن ماجة. ومما يدل على أن اللباس زينة وجمال هو ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:( لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كِبْر فقال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا ونعله حسنةً؟ قال: إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بَطَر الحق وغَمطُ الناس)) وهذا يعني أن لبس الثياب الجميلة للتجمل بها مما يحبه الله تعالى من عباده، فاللباس فضلا عن كونه ساترا للعورة فهو جمال وزينة لبني جميعا فهو يستر العيوب البدنية ويظهر الإنسان في شكل رائع جميل.

المقصد الثالث: الوقاية من الحر والبرد: ومن مقاصد وأهداف اللباس في منظور القرآن هو الوقاية من الحر والبرد. وهذه نعمة عظيمة امتن الله بها في سياق الحديث عن النعم، وهو قوله تعالى: {والله جعل لكم من بيوتكم سكنا وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين والله جعل لكم مما خلق ظلالا وجعل لكم من الجبال أكنانا وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم كذلك نعمته لعلكم تسلمون} النحل. والمقصود بالسرابيل أي السراويل، والثياب كالقميص، والجبة، وغيرها. قال الشيخ الطاهر بن عاشور رحمه الله: والسرابيل: جمع سربال، وهو القميص يقي الجسد حر الشمس، كما يقيه البرد، وخص الحر هنا لأنه أكثر أحوال بلاد المخاطبين (العرب) في وقت نزولها، على أنه لما ذكر الدفء في قوله تعالى: {والأنعام خلقها لكم فيها دفء} ذكر ضده هنا " التحرير والتنوير ج/14ص: 240. ويقول الشيخ الشعراوي رحمه الله: بعض العلماء يحاول أن يجد مخرجا لهذه الآية فقال: المعنى تقيكم الحر وتقيكم البرد، ففي الآية اكتفاء بالحر عن البرد، لأن الشيء إذا جاء يأتي مقابله فليس بالضرورة ذكر الحالتين، فإحداهما تغني عن الأخرى... لكن لو فطنا إلى باقي الآيات التي تتحدث عن الموضوع لوجدناها واحدة تتكلم عن الحر، وهي هذه الآية، وأخرى تتكلم عن البرد في قوله تعالى: {والأنعام خلقها لكم فيها دفء {أي من جلود الأنعام وأصوافها نتخذ ما يقينا البرد، وما نستدفئ به، وهكذا تتكامل الآيات وينسجم المعنى ". تفسير الشعراوي ج/13: وبهذا تكون سورة النحل تحدثت عن مقصد اللباس في مقام الامتنان بالنعم وأنه نعمة من الله تعالى للوقاية من البرد والحر. قال ابن كثير في قوله تعالى (وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر) وهي الثياب من القطن والكتان والصوف. (كذلك يتم نعمته عليكم) أي هكذا يجعل لكم ما تستعينون به على أمركم وما تحتاجون إليه ليكون عونا لكم على طاعته وعبادته" تفسير ابن كثير سورة النحل. فالآية واضحة في أن الله تعالى امتن على عباده باللباس الذي يقيهم الحر والبرد. فلله الحمد والمنة.

المقصد الرابع: التمايز: بين الذكر والأنثى؛ لأن لكل منهما لباسا خاصا به، وهذا لورود أحاديث تحذر من تشبه الرجال بالنساء أو النساء بالرجال. وهذا النهي ورد بصيغة اللعن الذي تدل على التحريم. فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال:( لعن رسول الله المخنثين من الرجال، والمترجلات من النساء. وفي رواية:( لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال) رواه البخاري. وهذا التشبه يكون في صفات كثيرة ومنها اللباس، وذلك بأن يلبس الرجل اللباس الخاص بالمرأة أو تلبس المرأة اللباس الخاص بالرجل. بحيث يصبح شرعا وعرفا أن هذا اللباس خاصا بالرجل أو خاصا بالمرأة. قال ابن بطال: قال الطبري: فيه من الفقه أنه لا يجوز للرجال التشبه بالنساء في اللباس والزينة التي هي للنساء خاصة، ولا يجوز للنساء التشبه بالرجال فيما كان من ذلك للرجال خاصة. فمما يحرم على الرجال لبسه خاصة مما هو من لباس النساء:( البراقع) والقلائد(المخانق) والأسورة والخلاخل، ومما لا يحل له التشبه بهن من الأفعال التي هي بها مخصوصات، فالانخناث في الأجسام والتأنيث في الكلام.

وقد ذكر ابن علان الدمشقي عن أبي جمرة قوله: ظاهر اللفظ الزجر عن التشبه في كل شيء، لكن عرف من أدلة أخرى أن المراد التشبه في الزي وبعض الصفات والحركات ونحوهما لا التشبه في أمور الخير". ثم قال ابن علان: واللعن يدل على أن ما ذكر من الكبائر والحكمة في لعن من تشبه، إخراجه الشيءَ عن الصفة التي وضعها عليه أحكم الحكماء. دليل الفالحين ج/8/127. يقول أحد الأساتذة: والحديث في أسلوبه يقيم المقابلة والمفارقة بين أنموذجين فاسدين خرجا عن الطبيعة البشرية المألوفة، فالمخنثون من الرجال: فقدوا سمات الرجولة، ولم يُخلقوا للأنوثة، فيصبحون مادة للسخرية والاستهزاء ولا يتفيئون دورهم الرجولي في الحياة ولذلك يستحقون اللعن لأنهم افسدوا الفطرة التي فطر الله الناس عليها، يقول الله تعالى (لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم) وهم بدلوا وغيروا وأفسدوا!!!

والطرف الثاني: من المقابلة والمفارقة هو على النقيض، ويتمثل ذلك في النساء اللاتي فقدن الخصائص الأنوثية وأردن أن يتشبهن بالرجال والتعبير بقوله:( المترجلات) يوحي بالافتعال والتكلف فهن: يفتعلن الرجولة، ولكنهن لسن رجالا، وهن بهذا الافتعال يعطلن دورهن المنوط بهن في الحياة: الأمومة والرعاية، والحنو، وهن بذلك أفسدن وظيفتهن في الحياة، فصرن مدعاة للسخرية والاستهزاء والإهانة، ويقعن فريسة القلق والحيرة والأمراض النفسية والسلوكية، والرواية الثانية تؤكد هذا اللعن، وتصرح بالتشبه، وهي في مفهومها مع الحديث الأول، تؤكد النهي عن هذا السلوك المشين الضار بالمتشبهين والمتشبهات وبكل من حولهم ". كنوز رياض الصالحين 19.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجل يلبس لِبْسة المرأة والمرأة تلبس لِبْسة الرجل) رواه أبو داود بإسناد صحيح. قال ابن علان: والمراد لعن تشبه اللابس لِبسة المرأة تشبها بها وعكسه. وفي هذا الحديث التصريح بتحريم لبس لبسة المرأة أو العكس. وتحريم التشبه إنما هو عام يشبه التشبه في الزي واللباس، والخضاب، والصورة، والتكلم وسائر الحركات، والسكنات، ولكن هذا التحريم مختص بمن تعمد التشبه، وأما من كان ذلك من أصل خلقته فإنه يؤمر بتكلف تركه، فإن لم يفعل مع قدرته عليه دخل في الحرمة، أما إذا كان ترك التشبه غير ممكن بالنسبة له فلا يلحقه اللوم، ولا يدخل في الحرمة " فتح الباري 10 وكنوز رياض الصالحين 19.

المقصد الخامس: الحفظ والاستعفاف (تشريع الحجاب): وذلك لأن الله تعالى ذكر في عدة آيات من القرآن الكريم أنه فرض على المرأة المسلمة الحجاب لتستر بدنها عن الأجانب وممن لا يحل له النظر إلى بعض زينتها، وهذا بغرض الحفاظ على كرامة المرأة وحثها على العفة والحشمة والستر والحياء حتى لا تبدوا زينتها فتكون سببا لإثارة الفتن بين الناس وخاصة الرجال. قال تعالى:( وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن.....} إلى آخر الآية. سورة النور. قال الإمام القرطبي في قوله تعالى: {ويحفظوا فروجهم} النور. بشأن الرجال " أي يستروها عن أن يراها من لا يحل وقيل:( ويحفظوا فروجهم) أي عن الزنى، والصحيح أن الجميع مراد واللفظ عام. وروى بهز بن حكيم بن معاوية القشيري عن أبيه عن جده قال: قال: قلت: يا رسول الله، عورتانا ما نأتي منها وما نذر؟ قال:( احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك) قال: الرجل يكون مع الرجل؟ قال:( إن استطعت ألا يراها فافعل) قلت: الرجل يكون خاليا؟ فقال:( الله أحق أن يستحيا منه من الناس)). وهذا يعني أن المحافظة على الستر مطلوب دائما حتى ولو كان الإنسان خاليا بنفسه لأنه يستحي من ربه سبحانه، ومن الملائكة الكرام.

وأما قوله تعالى: { والقواعد من النساء التي لا يرجون نكاحا فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة وأن يستعففن خير لهن والله سميع عليم} النور. قال القرطبي: والقواعد العُجّز اللواتي قعدن عن التصرف من السن، وقعدن عن الولد والمحيض، هذا قول أكثر العلماء و(غير متبرجات بزينة) أي غير مظهرات ولا متعرضات بالزينة لينظهر إليهن، فإن ذلك من أقبح الأشياء وأبعده عن الحق، والتبرج التكشف والظهور للعيون.( وأن يستعففن خير لهن) أي: أنّ تحفُّظ الجميع منهن، واستعفافهن عن وضع الثياب والتزامهن ما يلزم الشباب( الشابات) أفضل لهن وخير، و قيل: من التبرج أن تلبس المرأة ثوبين رقيقين يصفانها. فقد ورد في الحديث الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:( صنفان من أهل النار لم أرهما: قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات مائلات مميلات رؤوسهن كأسنمة البخل المائلة لا يدخلن الجنة، ولا يجدن ريحها وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا)). قال ابن العربي: وإنما جعلهن كاسيات ؛ لأن الثياب عليهن، وإنما وصفهن بأنهن عاريات لأن الثوب إذا رق يصفهن، ويبدي محاسنهن، وذلك حرام. قال القرطبي: هذا أحد التأويلين للعلماء في هذا المعنى، والثاني: إنهن كاسيات من الثياب عاريات من لباس التقوى الذي قال الله تعالى فيه: { ولباس التقوى ذلك خير} الأعراف. وأنشدوا:

إذا المرء لم يلبس ثيابا من التقى *** تجرد عريانا وإن كان كاسيا

وخير لباس المرء طاعة ربه *** ولا خير فيمن كان لله عاصيا

وكلام القرطبي يصح إسقاطه على الكثيرات من نساء عصرنا فتراهن متحجبات، ولكنهن بعيدات عن الدين ومبادئه تماما. ولكن ما قاله ابن العربي وغيره صحيح أيضا، وهو ما ينطق به الواقع ويراه المسلم في زماننا هذا. أسأل الله لي ولكم التوفيق

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.


Catégorie : مقالات - دروس في الفقه
Page lue 125 fois