إخراج زكاة الفطر نقدا

إخراج زكاة الفطر نقدا

الاختلاف بين العلماء في إخراج زكاة الفطر نقودا خلاف قديم جدا. فكما هو المعروف فإن جمهور العلماء من فقهاء المالكية والشافعية والحنابلة قالوا بعدم إخراجها نقدا وإنما تخرج مما ورد التنصيص عليه في الحديث، بينما علماء الحنفية وبعض العلماء كالحسن البصري وعمر بن عبد العزيز أجازوا إخراجها نقدا تيسيرا على الناس وتحقيقا للمقصد الشرعي.

وفي وقتنا الراهن كثر الجدال حول جواز إخراج زكاة الفطر نقودا، فالبعض لا زال متشبثا برأي الجمهور، ويرى إخراجها نقدا بدعة ضلالة ومخالفة للسنة، بينما البعض الآخر من العلماء يرون جواز إخراجها نقدا تماشيا مع مصلحة الفقير، وتحقيقا للمقصد الشرعي، ولا يرون هذا خروجا على النص أو مخالفة للسنة، بل يرون أن تطور الحياة، وتغير أساليب المعيشة يتطلب إخراج القيمة في الزكاة، وزيادة على ذلك فإن في إخراج القيمة تيسيرا على المزكي ومصلحة للفقير.

ولما كانت مسألة إخراج القيمة في الزكاة ذا أهمية كبيرة في المجتمع وارتباطها بأهم أركان الإسلام وهي الزكاة والصيام وهما من صميم العبادات الإسلامية فإن هناك مؤلفات صدرت بشأن هذا الموضوع فهناك من أفردها بالتأليف وهناك من تناولها تبعا لموضوع الزكاة ومن ذلك على سبيل المثال: - تحقيق الآمال في جواز إخراج القيمة في زكاة الفطر بالمال - للشيخ: أحمد بن الصديق الغماري، وهو كتاب قيم تناول فيه هذه المسألة وبين جواز إخراج القيمة واستدل على هذا بأكثر من ثلاثين وجها. ومن المؤلفات التي تناولت إخراج القيمة تبعا لفقه الزكاة الشيخ القرضاوي في كتابه فقه الزكاة: في المجلد الأول والدكتور عبد الله بن منصور الغفيلي – نوازل الزكاة، وغيرها من المؤلفات الكثيرة.

ولما كانت المسألة خلافية بين العلماء فإن كل فريق استند على أدلة واعتمد على حجج يراها هي الدليل الصحيح. والسبب في هذا الخلاف كما يقول الشيخ القرضاوي يرجع إلى اختلاف زوايا النظر إلى حقيقة الزكاة هل هي عبادة وقربة لله تعالى أم حق مرتب في مال الأغنياء للفقراء، وبتعبيرنا ضريبة مالية مفروضة على مالك النصاب؟ والحق أن الزكاة تحمل المعنيين، ولكن بعض الفقهاء غلبوا معنى العبادة والقربة في زكاة، فحتموا على المالك إخراج العين التي جاء بها النص، ولم يجوزوا إخراج القيمة. وغلَّب البعض الجانب الآخر: وهو أنها حق مالي قصد به خلة الفقراء فجوزوا إخراج القيمة.

وعلى هذا فإن في المسألة قولان:

القول الأول للجمهور: أدلة المانعين: هناك فريق كبير من الفقهاء يرون عدم جواز إخراج القيمة في زكاة الفطر، وهو مذهب الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة. والظاهرية. ومن المعاصرين: الشيخ ابن باز والشيخ الألباني وابن عثيمين، والفوزان وغيرهم.

أدلة هذا القول: استدل الجمهور ومعهم بعض المعاصرين بجملة من الأدلة من النقل والعقل وبالأدلة العامة على التحذير من البدعة:

الأول إخراج القيمة في زكاة الفطر فيه مخالفة للنص: وذلك لما ورد عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: (فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة الفطر صاعا من تمر وصاعا من شعير ...). ووجه الدلالة: أن النبي صلى الله عليه وسلم فرض الصدقة من تلك الأنواع، فمن عدل إلى القيمة فقد ترك المفروض. وثبت أيضا بفعل الصحابة - رضي الله عنهم - فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: (كنا نخرجها على عهد رسول الله صاعا من طعام وكان طعامنا التمر والشعير والزبيب والأقط). ووجه الدلالة: أن الصحابة رضي الله عنهم لم يكونوا يخرجونها من غير الطعام، وتتابعهم على ذلك دليل على أن المشروع إخراجها طعاما ".

ونوقش بأن ذكر هذه الأنواع ليس للحصر، وإنما هو للتيسير ورفع الحرج، وإخراج تلك الأنواع المنصوصة أيسر من إخراج غيرها من الأموال، فقد عين النبي صلى الله عليه وسلم الطعام في زكاة الفطر لندرته بالأسواق في تلك الأزمان وشدة احتياج الفقراء إليه لا إلى المال، فإن غالب المتصدقين في عصر النبي صلى الله عليه وسلم ما كانوا يتصدقون إلا بالطعام..)

ثالثا: أن زكاة الفطر عبادة والأصل في العبادات التوقف: والعبادات الأصل فيها التوقيف، فلا يجوز لأحد أن يتعبد الله بأي عبادة إلا بما أخذ عن المشرع الحكيم، عليه صلوات الله وسلامه. وهي مفروضة من جنس معين فلا يجزئ إخراجها من غير الجنس المعين، كما لو أخرجها في غير وقتها المعين.

رابعا: التنصيص على الطعمة: ففي حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: (فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم الفطرة طهره للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين). مما يدل على أن الطعمة تكون بما يطعم، ولا تكون بالدراهم التي تقضى بها الحاجات، مما يدل على أن إخراج زكاة الفطر طعاما مقصود للشارع

خامسا: إخراج القيمة بدعة محدثة: بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: (من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد) وقال: (من عمل عملا ليس علينا عليه أمرنا فهو رد) . قال ابن حزم في المحلى ولا تجزئ قيمة أصلا ، لأن كل ذلك غير ما فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والقيمة في حقوق الناس لا تجوز إلا بتراض منهما ، وليس للزكاة مالك بعينه فيجوز رضاه أو إبراؤه " .

ويرد على هذا بما يلي:

أولا: بأن ذلك قياس الحاضر على الغائب المجهول، فإنهم قاسوا عصرهم على عصر النبي صلى الله عليه وسلم، وظنوا أن هذه الأشياء لما كانت مختلفة القيم في عصرهم، كانت كذلك في عصر النبي صلى الله عليه وسلم وهذا أمر يحتاج إلى نقل صريح في إثباته، وإلا فالأزمنة تختلف في الأسعار، ومساواة الأشياء وتفاضلها.

ثانيا: أن هذه دعوى غير مسلمة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم غاير بين هذه الأشياء ولم يسو بينها. هذه أهم الحجج والأدلة التي يتذرع به مانعوا إخراج القيمة في زكاة الفطر.

أدلة القول الثاني: وبعد بيان أدلة الرأي الأول ننتقل الآن إلى عرض أدلة الرأي الثاني، وهم القائلون بجواز القيمة في القديم والحديث منهم: الحسن البصري، وعمر بن عبد العزيز. وهو مذهب الثوري وأبي حنيفة وأبي يوسف، واختاره من الحنفية الفقيه أبو جعفر، وبه العمل والفتوى عندهم في زكاة وفي الكفارات والنذر، والخراج وغيرها، وهو أيضا مذهب الإمام الناصر وكثير من المعاصرين وهؤلاء استدلوا بمجموعة كبيرة من الأدلة من النقل والعقل، وهي:

الدليل الأول: ان الأصل في الصدقة المال: قال تعالى: {خذ من أموالهم صدقة} وجه الدلالة: أن المال في الأصل ما يملك من الذهب والفضة ، وأطلق على ما يقتنى من الأعيان مجازا وأكثر ما يطلقه العرب على الإبل لكونها أكثر مالهم.

وبيان رسول الله صلى الله عليه وسلم المنصوص عليه، إنما هو للتيسير ورفع الحرج لا لتقييد الواجب وحصر المقصود فيه. لأن أهل البادية وأرباب المواشي تعز فيهم النقود، وهم أكثر من تجب عليه الزكاة، فكان الإخراج مما عندهم أيسر عليهم...".

الدليل الثاني: أن أخذ القيمة في الزكاة ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم.

قال يحي بن آدم في كتاب (الخراج) حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن طاوس قال: قال معاذ باليمن: (ائتوني بعرض ثياب آخذه منكم مكان الذرة والشعير، فإنه أهون عليكم، وخير للمهاجرين بالمدينة) وفي رواية: (إئتوني بخميس أو لبيس آخذه منكم مكان الصدقة، فإنه أهون عليكم وخير للمهاجرين بالمدينة) وأخرج ابن أبي شيبة في مصنفه عن طاووس - رضي الله عنه- قال: (بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذا إلى اليمن ، فأمره أن يأخذ الصدقة من الحنطة والشعير ، فأخذ العروض والثياب بدلا الحنطة والشعير). وعن عطاء رضي الله عنه (أن عمر بن الخطاب –رضي الله عنه – كان يأخذ في الصدقة من الورق وغيرها). ثم إن إخراج القيمة هو قول مجموعة من السلف، قال الحسن البصري: لا بأس أن تعط الدراهم في صدقة الفطر " وعن عطاء رحمه الله أنه كان يعطي في صدقة الفطر ورقا دراهم ".

الثالث : التصريح من النبي صلى الله عليه وسلم بعلة الإغناء للفقراء يوم العيد : فقد ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أغنوهم عن الطواف هذا اليوم ) فصرح النبي صلى الله عليه وسلم بعلة وجوب الزكاة، وهي إغناء الفقراء يوم العيد، وذلك بالمال أفضل من غيره ، لأنه الأصل الذي يتوصل به إلى كل شيء من ضروريات الحياة ، إلا أن الطعام في ذلك العصر كان أفضل ، من جهة كونه صلى الله عليه وسلم أراد إغناء الفقراء في خصوص يوم العيد وكفايتهم همَّ الطواف والتعب في الحصول على القوت فيه ... أما في وقتنا هذا فالحال فيه بخلاف ما ذكر . فإن الطعام متيسر بالأسواق والدكاكين، فكل ما يحتاجه الفقير يجده من غير كلفة ولا مشقة متى كان بيده المال. بل انعكست القضية وانتقل التعب والمشقة من والشغل إلى الانتفاع بالحب. فكان إخراج المال من أجل هذا أفضل. قال الإمام الكاساني في بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع معلقا على الحديث: والإغناء يحصل بالقيمة، بل أتم وأوفر لأنها أقرب إلى دفع الحاجة، وبه يتبين أن النص معلول بالإغناء، وإنه ليس في تجويز القيمة يعتبر حكم النص في الحقيقة.

ومن جهة أخرى فإنه صلى الله عليه وسلم: قيد الإغناء بيوم العيد ليعم السرور جميع المؤمنين، ويستوي فيه الغني والفقير، ويتفرغ الجميع لذكر الله تعالى، وعبادته وحمده وشكره، على ما أنعم به من التوفيق لأداء فريضة الصوم المكفر للذنوب، والمقرب من رب الأرباب، ثم على إباحة الفطر تخفيفا من الله ورحمة ".

الدليل الرابع: فرض زكاة الفطر من الأطعمة السائدة القصد منه التيسير: حيث أن النبي صلى الله عليه وسلم لما فرض زكاة الفطر من الأطعمة السائدة في بيئته وعصره، إنما أراد بذلك التيسير على الناس، ورفع الحرج عنهم، فقد كانت النقود الفضية أو الذهبية عزيزة عند العرب، وأكثر الناس لا يكاد يوجد عنده منها إلا القليل، أو لا يوجد عنده منها شيء، وكان الفقراء والمساكين في حاجة إلى الطعام من البر أو التمر أو الزبيب، أو الأقط. لهذا كان إخراج الطعام أيسر على المعطي، وأنفع للآخذ.

الدليل الخامس: إخراج القيمة فيه مراعاة للمقاصد الشرعية: وذلك، أن مراعاة المقاصد مقدمة على رعاية الوسائل كما هو مقرر في أصول المالكية، وقواعد مذهبهم. ونحن نعلم قطعا أن قصد الشارع نفع الفقراء. والمنصوص عليه وسيلة أعم من أن تكون محصورة فيه، فكل ما كان وسيلة للنفع فهو جائز، أما إذا انتقل النفع من وسيلة إلى أخرى، كما انتقل من الحب إلى المال، فالواجب اتباع الأخيرة لوجهين: أحدهما: أن معنى الوسيلة انتقل منها فلم تبق وسيلة. وثانيهما: أن مراعاة المقاصد توجب علينا إلغاءها، حيث صارت المقاصد تفوت بها. ثم إن الوقوف مع النص والتمسك بالظاهر فيما هو بين العلة، واضح الحكمة قلب للحقائق وعكس لمقاصد الشرع، فإن من يسمع قول الله تعالى: {إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما}. فيحملها على خصوص الأكل، ويتلفها، وينتفع بها في اللباس، والركوب، والمسكن، وغير ذلك، يكون مخالفا للآية، داخلا في الوعيد بإجماع الأمة.

الدليل: تغير الفتوى بتغير الزمان والمكان والحال: يقول الشيخ القرضاوي حفظه الله –: ومن نظر بعين الإنصاف والتقدير للواقع، يعلم أن إخراج الطعام لا يصلح إلا في المجتمعات البسيطة والمحدودة، التي يتيسر فيها الطعام لمن يريد إخراج الزكاة، ويحتاج فيها الفقير إلى الانتفاع بالطعام.

أما المجتمعات الكبيرة والمعقدة والتي تتمتع بكثافة سكانية عالية، والتي يندر فيها وجود الأطعمة بحيث يُعنِت المخرجَ طلبُها، ولا يحتاج الفقير إليها؛ لأنه لم يعد يطحن ويعجن ويخبز، فلا يماري منصف في أن إخراج القيمة في هذه الحال هو الأولى ". والأمثلة في هذا كثيرة جدا في القرآن الكريم.

الترجيح: من خلال عرض أدلة الفريقين في مسألة إخراج القيمة في زكاة الفطر والوقوف على حجج الفريقين أن الرأي القائل بوجوب إخراج زكاة الفطر من الأعيان المنصوص عليها في الأحاديث النبوية هو رأي صحيح وسليم وهو الأصل وذلك لموافقته للمنصوص عليه في سنة النبي صلى الله عليه وسلم، إلا أن الرأي الثاني القائل بجواز إخراج القيمة في زكاة الفطر هو الرأي الراجح. وهذا في رأيي يرتكز على عدة أسباب نجملها فيما يلي:

الأول: أنه الأيسر على الناس. الثاني: فيه مصلحة للفقير. الثالث: جريان العمل به في عدة بلدان إسلامية. ثم إنه من المسائل الخلافية والقاعدة كما سبق ذكره (لا إنكار في مسائل الخلاف). لكن يبقى القول إنه إذا كان إخراج الطعام أفضل وأنفع للفقراء كما هو في بعض البلاد التي تكاد المجاعة تقضي على الناس فإخراجها طعاما يكون أفضل وإذا كان إخراج النقود فيه فائدة أعظم وأنفع وأيسر فهذا أفضل تماشيا مع مراعاة المصلحة والمقصد الشرعي. أما الجمود على القول بأنه لا يجوز إخراجها نقدا فهذا في الحقيقة قول يجانب الحقيقة ولا ينظر مصلحة الفقراء وذلك أنه يوجد اليوم الغالبية العظمى من الفقراء يرفضون أخذها طعاما ويفضلون أن تكون نقدا. والله التوفيق وهو يهدي السبيل.

صح سحوركم وتقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.


Catégorie : - دروس في الفقه
Page lue 202 fois