الصيام في التشريع الإسلامي

مكانة الصيام في التشريع الإسلامي

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن ولاه.

أما بعد ،   فإن الإسلام يتميز عن غيره ، بأنه دين جاء بعبادات متنوعة ، والغاية من ذلك أن يتعبد الله تعالى بكل ما أمر به وشرعه ، كما أن الغاية من هذا التنوع في العبادات هو اختبار الإنسان وامتحانه ، وزيادة على هذا ، فإن تنويع العبادات واختلافها وأدائها في أزمنة مختلفة،  هو تنشيط لهمم الإنسان ، ودفع للملل والسأم عن النفس حتى تكون على أتم الاستعداد لأداء هذه الواجبات بكل همة ونشاط ، وخاصة إذا علم أنه ينتظره عند ربه الجزاء الأوفى والأجر العظيم ، والفوز برضوانه سبحانه ، ودخول الجنة  التي أخبر الله بأن عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين.

والصيام في الإسلام هو عبادة بدنية تتميز عن غيرها من العبادات، بكونها تتمثل في الامتناع عن كل رغبات الإنسان، من مأكل ومشرب وغيره، والحكمة منه أن الصيام وسيلة للسمو بالنفس، والارتقاء بها ، وتغدية للروح ، وتصفية للقلب من الران ، وطهارة للبدن من رواسب المادة ، وحشد للعزيمة والإرادة ، وصقل للهمة ، وتجديد للنشاط الروحي والبدني ، وتقوية للعقل ، وتهذيب للتفكير السليم ، وفتح للآفاق المغلقة ، واستشفاف لما دق من الأمور التي يصعب على الإنسان إدراكها بعيدا عن الصيام.

وإذا أدركنا أن الصيام له هذه الميزات المختلفة، من حيث الآثار والنتائج، سواء ما يتعلق منها بالفرد أو بالجماعة، فإنه يتضح لنا جليا أن الصيام له مكانة كبيرة في التشريع الإسلامي تبرز في عدة جوانب هي:

1-) الصيام فريضة وعبادة كبرى في الإسلام: فهو فريضة مشروعة بالنصوص القطعية، والتي تدل دلالة واضحة على أن الصيام أمر فرضه الله تعالى على المؤمنين وكتبه عليهم إلى يوم الدين، فلا يوجد شيء ينزلها عن هذا الحتم والإلزام إلى يوم القيامة، فهي لسيت عبادة اختيارية وليست خاضعة لنزوات الإنسان وتقلباته، ولكنها فريضة مكتوبة على المسلم إلى يوم الدين، شرعها الله عز وجل، ووضع لها ضوابط، وشروطا معينة لإقامتها وأدائها.

قال تعالى: {يأيها الدين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون...} فهذا الخطاب الإلهي لأهل الإيمان فيه الإلزام بوجوب الصيام وأنه مكتوب عليهم مقل غيره من العبادات الأخرى.

وذلك لأن الصيغة التي فرض بها الصيام هي صيغة (كُتِبَ عليكم) دالة على الوجوب، بمعنى أن الصيام مكتوب على المؤمنين، وأنه محتم عليهم. قال الإمام القرطبي - رحمه الله- في قوله سبحانه: {يأيها الدين آمنوا كتب عليكم الصيام ...} لما ذكر ما كتب على المكلفين من القصاص والوصية، ذكر أيضا أنه كتب عليهم الصيام وألزمهم إياه، وأوجبه عليهم " الجامع لأحكام القرآن. قال الشيخ أبو زهرة رحمه الله: كتب بمعنى فرض لأنه قرره الله تعالى، وكتبه حتى صار مكتوبا على المؤمنين " زهرة التفاسير ج/2.

وقال الشيخ عبد الرحمن الميداني رحمه الله: {كتب عليكم الصيام} أي فرض عليكم الصيام، وكلمة (كُتِبَ) في القرآن قد تأتي أحيانا بمعنى (فُرِضَ) وقرينة السياق تدل عليه. وهذا الجملة هي نص مادة تكليفية، تضمنت الإعلام بفرضية الصيام منذ نزولها.. وأصل المعنى يدور حول كتابة أمر قضاه الله، فإن كان القضاء قضاء بتكليف لعباده، فكتابه تسجيل لهذا التكليف، فتأخذ الكتابة معنى الإلزام والفرضية ... "الصيام ورمضان للميداني. وخلاصة القول: أن صيغة كتب هي من الصيغ الدالة على الإيجاب، كما هو مقرر عند علماء الأصول. قال الشيخ إبراهيم العلوي في ألفيته مراقي السعود

( ................................** والفرض والواجب قد ترادفا

   كالحتم واللازم مكتوب وما ** فيه اشتباه للكراهة انتمى)

وإذا كان الصيام ثابتا بالنص القطعي من القرآن الكريم، فإن نصوص السنة النبوية الشريفة جاءت معاضدة ومؤكدة لهذه النصوص وموافقة لها، فقد وردت أحاديث كثيرة، تدل دلالة واضحة لا لبس فيها على مكانة الصيام، وإنه أحد الأركان الإسلام الخمس التي بني عليها الإسلام، وأنه عبادة من العبادات الكبرى عند المسلمين وهي الصلاة، والزكاة، والصيام، والحج. من ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلا ) رواه الشيخان. فالصيام هو أحد أصول العبادة في الإسلام، وركن من أركانه، لا يتم دين المرء إلا به.

2-) الصيام من أصول الإسلام: وقد أجمع المسلمون على وجوب صيام رمضان، وأنه ركن من أركان الإسلام، وأنه معلوم من الدين بالضرورة من أنكر وجوبه يعتبر كافرا ومرتدا. فهو كما بينا سابقا فرض من فرائض الإسلام وركن من أركانه، ولهذا وجب على كل مسلم ومسلمة أداء هذا الفرض، امتثالا لأمر الله جل جلاله واحتراما لهذا الشهر المبارك والاهتمام به وتعظيمه، لأن تعظيم شعائر الله من الإيمان، ومن التقوى قال تعالى: {ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب} سورة الحج الآية: 30.

والذي يمتنع عن الصيام، إما أن يكون امتناعه عن جحود وإنكار، أو أن يكون عن كسل وإهمال، فالذي يجحد وجوب الصيام فهو كافر إجماعا؛ لأنه أنكر أمرا معلوما من الدين بالضرورة، يستتاب ثلاث مرات، فإن تاب وإلا قتل، ومن أقر بوجوب الصيام، وامتنع عن صومه، فهو عاص يجبر على الصوم، فإن لم يفعل قتل حدا لا كفرا كتارك الصلاة كما هو معروف عند الفقهاء

ومن افطر عمدا في رمضان بدون عذر شرعي وجب تأديبه، ومعاقبته بما يراه الإمام، من ضرب، أو سجن أو بهما معا، إلا إذا جاء تائبا قبل الاطلاع[MD1] عليه فيسقط التأديب، ومثله كل من أفسد صوما واجبا متعمدا.

3-) الصيام فريضة قديمة فرضت على الأمم السابقة: ومما يدل على مكانة الصيام في التشريع الإسلامي أن الله تعالى أخبرنا أن الصيام فريضة كانت مكتوبة على من سبقنا من الأمم الخالية. قال سبحانه: {كما كتب على الذين من قبلكم} أي فرض عليكم الصيام، كما فرض على الذين من قبلكم من أمم الرسالات السابقة. فظاهر هذا البيان القرآني يدل على أن الشرائع الربانية السابقة ، فيها صيام مفروض على أمم هذه الشرائع، وظاهر التشبيه يدل على أن الصيام المفروض علينا في القرآن مثل الصيام الذي فرض عليهم ، ولكن هذا الظاهر غير قطعي، إذ يحتمل أن يكون التشبيه ملاحظا فيه أصل الصيام ، وبعض وجوه التماثل ، دون التطابق التام ، ونظرا إلى أن أهل الكتاب السابق قد حرفوا في شرائعهم وبدلوا ، فإنه ليس بأيدينا صورة صحيحة عن الصيام الذي كان مفروضا عليهم ، حتى نحدد على أساسها مدى التشابه بين الصيام في الإسلام ، والصيام في الشرائع السابقة.

وفيما يخص حقيقة الصيام عند الأمم السابقة، نقل الإمام القرطبي بعض الروايات في تفسيره، وهي: بعضها يجعل التشبيه يرجع إلى الوقت وقدر الصيام، وبعضها يرى أن التشبيه المقصود، هو التشبيه في أصل الوجوب فقط، وهذه الروايات هي :

الرأي الأول-) التشبيه يرجع إلى الوقت والقدر: فقال الشعبي وقتادة وغيرهما: التشبيه يرجع إلى وقت الصوم، وقدر الصوم؛ فإن الله تعالى كتب على قوم موسى وعيسى صوم رمضان فغيروا، وزاد أحبارهم عليهم عشرة أيام، ثم مرض بعض أحبارهم فنذر إن شفاه الله أن يزيد في صومهم عشرة أيام ففعل؛ فصار صوم النصارى خمسين يوما؛ فصعب عليهم في الحر فنقلوه إلى الربيع.

واختار هذا القول النحاس وقال: وهو الأشبه بما في الآية. وفي حديث يدل على صحته، أسنده عن دغفل بن حنظلة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كان على النصارى صوم شهر فمرض رجل منهم فقالوا لئن شفاه الله لنزيدن سبعة، ثم كان آخر فأكل لحما فأوجع فاه، فقالوا لئن شفاه الله لنزيدن سبعة، ثم كان ملك آخر فقالوا: لَنَتِمنَّ هذه السبعة الأيام، ونجعل صومنا في الربيع، قال فصار خمسين يوما).

الرأي الثاني -) التشبيه يرجع إلى أصل الوجوب: قال القرطبي رحمه الله: وقيل التشبيه راجع إلى أصل وجوبه على من تقدم، لا في الوقت والكيفية.

الرأي الثالث-) التشبيه راجع إلى الصفة: وقيل التشبيه واقع على صفة الصوم الذي كان عليهم من منعهم من الأكل والشرب والنكاح، فإذا حان الإفطار فلا يفعل هذه الأشياء من نام، وكذلك كان النصارى أولا، وكان في أول الإسلام، ثم نسخه الله تعالى بقوله: {أُحِلَّ لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم ...} قاله السدي وأبو العالية والربيع. تفسير القرطبي ج/2/ ص: 184.

ومما يدل على أن الصوم عبادة قديمة متجذرة في التاريخ صيام موسى أربعين يوما، وصيام مريم عليها السلام، حين نذرت للرحمن صوما عن الكلام، وهذا ما ذكره الله في قوله: {فإما ترين من البشر أحدا فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا} مريم الآية: 26.    

4-) الصيام من أعمال الخير الكبرى: وذلك أن الله تعالى ذكره ضمن صفات امتدح فيها أصحابها والمتصفين بها، ووعدهم بالأجر العظيم عليها. قال الله سبحانه: {إن المسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، والقانتين والقنتات والصادقين والصادقات، والصابرين والصابرات، والخاشعين والخاشعات، والمتصدقين والمتصدقات، والصابرين والصابرات، والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات، والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما} الأحزاب الآية :35. هذه عشر صفات امتدح الله أصحابها ووعدهم عليها بالأجر العظيم، ومنها: الصيام وقد وعد الله المتصفين بهذه الصفات بالمغفرة والأجر العظيم وهو دخول الجنة.

 وسبب نزول الآية ما ذكرته، أم المؤمنين، أم سلمة رضي الله عنها أنها قالت: يا نبي الله: (مالي أسمع الرجال يذكرون في القرآن، والنساء لا يُذكَرن؟ فأنزل الله تعالى: {إن المسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات...} وهذه الصفات كما ورد ذكرها يشترك فيها النساء والرجال على السواء فمن اتصف بها أو ببعضها من ذكر أو أنثى كان من الموعودين بالأجر والثواب. والصوم هنا ورد عاما فيدخل فيه صيام رمضان وغيره، فالصوم زكاة البدن، يزكيه ويطهره، كما يزكي النفس ويسموا بها نحو العلى

5-) ارتباط الصيام بالكفارات: لما كان الصيام الشرعي عبادة ذات مكانة عظيمة عند الله جل جلاله، جعله الله في شريعة الإسلام، كفارة لمن أفطر في نهار رمضان عمدا منتهكا حرمة الشهر، وهو صيام شهرين متتابعين، كما ورد في الحديث النبوي الشريف.

وفي الحج قال الله عز وجل: {ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما اتيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ذلك لمن لم يكن اهله حاضري المسجد الحرام واتقوا الله واعلموا أن الله شديد العقاب} البقرة الآية: 196.

وفي كفارة الصيد قال سبحانه: {يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغة الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما ليذوق وبال أمره ...} المائدة: 95. ففي هذه الآية جعل الله من بين كفارات الصيد للمحرم بالحج الصيام. وفي كفارة الأيمان لمن لم يجد ما يكفر به من الطعام أو الكسوة أو تحرير رقبة الصيام قال جل جلاله: {فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم} المائدة: 89.

وهكذا نجد أن الصيام يدخل في كفارة القتل الخطأ، لمن لم يجد الدية أو عجز عنها، أن يصوم شهرين متتابعين. وهكذا الأمر أيضا في كفارة الظهار، فتشريع الصيام ضمن الكفارات الشرعية، يدل بكل يقين على أهمية الصيام، ومكانته السامية، لما له من دور كبير في ترويض النفس، وتدريبها، والسمو بالروح والارتقاء بها، وتطهير البدن من رواسب المادة.   والله أعلم.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.



Catégorie : - دروس في الفقه
Page lue 70 fois