أو إطعام - الدرس الثالث

أو إطعام في يوم ذي مسغبة

الدرس الثالث

فضائل إطعام الطعام

فيما سبق كان الحديث عن أهمية إطعام الطعام، وقد رأينا أن نطاقه واسع جدا، فهو يدخل في مجالات متعددة ومختلفة، كما أنه منة إلهية على بني أدم فهو سبحانه الذي يطعمهم بفضله وكرمه، وهو الذي تكفل برزقهم وإطعامهم جميعا مؤمنهم وكافرهم، وطائعهم وعاصيهم، فهو الذي وسعت رحمته كل شيء.

وقد ورد ذكر الطعام في عدة آيات من القرآن في سياق الامتنان، ومن ذلك قوله سبحانه في سورة قريش: {لإيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف} وذلك لما له من أهمية كبيرة في حياة البشر كلهم.

ولكون إطعام الطعام فضيلة كبيرة من الفضائل التي جاء بها الإسلام، وقربة من القرب التي حث عليها، فإن هناك فضائل متعددة لإطعام الطعام للمساكين، والفقراء، والمحتاجين، وغيرهم، ممن تدعوا الحاجة إلى إطعامهم، وسد رمق جوعهم، وهذه الفضائل كما وردت في القرآن والسنة هي كما يلي:

الفضيلة الأولى: إطعام الطعام وقاية من أهوال يوم القيامة: فقال عز وجل: {إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا، عينا يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا، يوفون بالنذر، ويخافون يوما كان شره مستطيرا، ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا، إنما نطعمكم لوجه الله، لا نريد منكم جزاء ولا شكورا، إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا، فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولقاهم نضرة وسرورا} الإنسان الآية: 5-11.

فقوله سبحانه: (ويطعمون الطعام على حبه) قال ابن عباس ومجاهد: على قلته، وحبهم إياه وشهوتهم له. وقال الداراني: على حبِّ الله. وقال الفضيل بن عياض: على حب إطعام الطعام. وكان الربيع بن خيثم إذا جاءه السائل قال: أطعموه سُكَّرا فإن الربيع يحب السكر. (إنما نطعمكم لوجه الله) أي يقولون بألسنتهم للمسكين واليتيم والأسير، إنما نطعمكم في الله جل ثناؤه فزعا من عذابه وطمعا في ثوابه (لا نريد منكم جزاء ولا شكورا) أي مكافأة. (ولا شكورا) أي ولا أن تثنوا علينا بذلك؛ قال ابن عباس: كذلك كانت نياتهم في الدنيا حين أطعموا. تفسير القرطبي ج/19.

أما قوله سبحانه: (إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا) عبوساً من صفة ذلك اليوم، أي يوما تعبِسُ فيه الوجوه من هوله وشدته، فالمعنى: نخاف من ربنا يوما ذا عبوس، وقال ابن عباس: يعبس الكافر فيه يومئذ حتى يسيل منه عرق كالقطران، وعنه أيضا: العبوس: الضيق، والقمطرير: الطويل. وقيل: القمطرير الشديد أي يوم عصيب.

والمتأمل فيما سبق من الآيات يدرك أن هناك أمورا ثلاثة ذكرها الله تعالى وهي: الأول: إطعامهم للطعام مع حبهم له، والثاني: إطعامهم للطعام كان لوجه الله تعالى. والثالث: إطعامهم للطعام لخوفهم من هول يوم القيامة وطمعهم في رحمة الله تعالى والنجاة من النار.

ولذلك كان جزاؤهم عند الله ما ذكره الله تعالى بعد ذلك، وهو: {فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولقاهم نضرة وسرورا، وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا...} الخ. فمن إطعام الطعام إيمانا بالله، وطمعا في رحمته، فليتأمل ما ذكره الله تعالى في هذه السورة من جزاء وثواب للمطعمين يوم القيامة.

الفضيلة الثانية: المطعم للطعام من أهل الميمنة: وذلك أن الله سبحانه لما ذكر اقتحام العقبة أعقبها ببيان الأعمال التي يقتحم بها الإنسان هذه العقبة، فقال: {فك رقبة أو إطعام في يوم ذي مسغبة، يتيما ذا مقربة، أو مسكينا ذا متربة ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة أولئك أصحاب الميمنة} البلد الآية: 13-18. فقوله تعالى: (ثم كان من الذين آمنوا) يعني أنه لا يقتحم العقبة مِن فكِّ رقبة أو أطعم في يوم ذي مسغبة، حتى يكون من الذين آمنوا؛ أي صدقوا، فإن شرط قبول الطاعات الإيمان بالله.

فالإيمان بالله بعد الإنفاق لا ينفع، بل يجب أن تكون الطاعة مصحوبة بالإيمان. قال الله تعالى في المنافقين: {وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله} التوبة: 54. وقالت عائشة رضي الله عنها: يا رسول الله، إن ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرَّحِم، ويطعم الطعام، ويفك العاني، ويعتق الرقاب، ويحمل على إبله لله، فهل ينفعه ذلك شيئا؟ قال: لا، إنه لم يقل يوما ( رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين ). وقيل ثم كان من الذين آمنوا) أي فعل هذه الأشياء وهو مؤمن، ثم بقي على إيمانه حتى الوفاة؛ نظيره قوله تعالى: {وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى} طه: 82.وقيل: أتى بهذه القرب لوجه الله، ثم آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم.

وقد قال حكيم بن حزام بعدما أسلم، يا رسول الله: إنا كنا نتحنث بأعمال في الجاهلية، فهل لنا منها شيء؟ فقال صلى الله عليه وسلم: (أسلمت على ما أسلفت من الخير). وقوله جل وعلا: (وتواصوا بالمرحمة) أي بالرحمة على الخلق، فإنهم إذا فعلوا ذلك رَحِموا اليتيم والمسكين. وقوله أيضا: (أولئك أصحاب الميمنة) أي الذين يؤتون كتبهم بأيمانهم؛ قاله محمد بن كعب القرظي وغيره. تفسير القرطبي ج/20. والمعنى: أي هؤلاء الموصوفون بهذه الصفات الجليلة (ومنها إطعام الطعام) هم أصحاب الجنة الذين يأخذون كتبهم بأيمانهم، ويسعدون بدخول جنات النعيم" صفوة التفاسير ج/3. جعلني الله وإياكم من أهلها.

الفضيلة الثالثة: إنه من أسباب دخول الجنة: فعن عبد الله بن سلام رضي الله عنه قال: (لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة انجفل الناس قِبَله، وقيل: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثلاثا، فجئت في الناس لأنظر، فلما تبينتُ وجهه، عرفت أن وجهه ليس وجه كذاب، فكان أول شيء سمعتُه تكلم به أن قال: (يأيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصَلُّوا باليل والناس نِيام، تدخلوا الجنة بسلام) حديث صحيح أخرجه ابن ماجة في سننه. فهذا الحديث كما ترى قد تضمن أربعة أمور من أسباب دخول الجنة، وهي: إفشاء السلام بين الناس، وإطعام الطعام، وصلة الأرحام، والصلاة باليل والناس نيام.

وفي رواية: عن النعمان بن سعد عن علي رضي الله عنه، قال: قال النبي صلى الله عليه و سلم: (إن في الجنة غرفا ترى ظهورها من بطونها، وبطونها من ظهورها). فقام أعرابي فقال: لمن هي يا رسول الله؟ قال: (لمن أطاب الكلام، وأطعم الطعام، وأدام الصيام، وصلى لله باليل والناس نيام. ) أخرجه الترمذي في سننه.

وذكر إطعام الطعام هنا ضمن الأمور الأربعة، هي دعوة من النبي صلى الله عليه إلى الجود والكرم، وإلى الأنفاق في سبيل، وخاصة في أيام الشدة، وأيام الحاجة والجوع، كما قال سبحانه: {ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة} الحشر:9. وعن البراء بن عازب رضي الله عنه، قال: جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله: علمني عملا يدخلني الجنة، فقال: (أعتق الرقبة، وفُكَّ النَّسمَة) فقال يا رسول الله: أو ليستا بواحدة؟ قال: فإن لم تطق ذلك فأطعم الجائع، واسق الظمآن...) رواه أحمد.

وإذا كان إطعام الطعام من أسباب دخول الجنة، فإنه أيضا سبيل للأكل من ثمارها والتنعم بما فيها فقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أيُّما مسلم كسا مسلما ثوبا على عري، كساه الله تعالى من خُضْر الجنة، وأيُّما مسلم أطعم مسلما على جوع، أطعمه الله تعالى يوم القيامة من ثمار الجنة، و أيُّما مسلم سقى مسلما على ظمأ، سقاه الله تعالى يوم القيامة من الرحيم المختوم) حسن رواه أحمد. فالجزاء من جنس العمل، وهنا نجد أن الله جل في علاه قابل مطعم الطعام بأن يطعمه من ثمار الجنة يوم القيامة، وهذا يدل على فضيلة إطعام الطعام.

 ......... يتبع

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته


Catégorie : مقالات - أو إطعام في يوم ذي مسغبة
Page lue 94 fois