آية الدعاء ومعناها - الدرس الرابع

الحكمة من الدعاء

الدرس الرابع

الحكمة الثانية: الدلالة على التوحيد: ومن الحكمة التي شرع لها الدعاء، أنه يدل دلالة واضحة على توحيد الله تعالى والاعتراف له بالربوبية، والألوهية المطلقة. وذلك لأن توحيد الله جل جلاله من خلال الدعاء مقصد عظيم، وميزة فارقة بين المؤمنين والمشركين، فكما أمرنا الله تعالى بتوحيده من خلال الإيمان به، وأنه الخالق والرازق، والمحي والمميت، والمتصرف في الكون، وأنه لا إله إلا هو، كذلك أمرنا بأن نوحده من خلال الدعاء، ونتوجه إليه سبحانه وحده بقلوبنا ودعواتنا.

قال تعالى: {ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذن من الظالمين} يونس الآية: 106.قال الشيخ الطاهر بن عاشور رحمه الله: والمقصود من هذا الغرض تنبيه الناس على فظاعة هذا الفعل، حتى لو فعله أشرف المخلوقين لكان من الظالمين، على حد قوله تعالى {ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين}. الزمر الآية: 65) التحرير والتنوير //305.ومما يدل على أن المقصود من الدعاء هو توحيد الله تعالى، والتوجه إليه وحده بالدعاء، الأمور التالية:

الأول: الأمر بصرف جميع العبادات لله وحده: حيث أمر الله سبحانه بأن تصرف جميع أنواع العبادات إليه، ولا يجوز صرف شيء منها لغيره، وهذا ما دل عليه قوله تعالى في عدة آيات من القرآن الكريم .منها: قوله سبحانه: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} الذريات الآية: 56.ومنها: قوله تعالى: {وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا يوحى إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون} الأنبياء الآية:25.ومنها: قوله أيضا: {ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن اشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين بل الله فاعبد وكن من الشاكرين} الزمر الآية: 65.الخ.

فالله سبحانه قد أمر في هذه الآيات بصرف جميع العبادات سواء كانت قولية، أو فعليه، ظاهرة أو باطنة إلا إليه، ومنها الدعاء؛ فإنه من أجل أنواع العبادات، كما دل على ذلك القرآن الكريم، والسنة النبوية الشريفة.

الثاني: الإخلاص لله في الدعاء وإفراده بالنداء: ومما يدل على أن الدعاء هو لب التوحيد وأساسه، هو أن الله تعالى أمرنا بأن نجعل دعاءنا خالصا له سبحانه وحده، ولا يستجيب دعاء من أشرك فيه صاحبه مع الله شيئا .وهذا ما دلت عليه نصوص كثيرة .منها قوله تعالى: {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعان ...} البقرة الآية: .ومنها: قوله تعالى: {فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون) العنكبوت الآية: 65.وقوله تعالى: {هو الحي لا إله إلا هو فادعوه مخلصين له الدين الحمد لله رب العالمين} غار الآية: 65.

وأما إفراده جل وعلا بالدعاء فقد ورد في آيات كثيرة في نحو ثلاثمائة موضع كلها جاءت بأساليب متنوعة، تارة على صيغة الأمر به، مثل قوله: {أدعوني أستجب لكم} وتارة بصيغة النهي، مثل قوله: {فلا تدع مع الله أحدا} الجن الآية:20.وتارة يقرنه بالوعيد كقوله تعالى: {ولا تدع مع الله إلها آخر فتكون من المعذبين} الشعراء الآية: 213.وتارة بتقرير أنه هو المستحق للألوهية والتعبد، مثل قوله تعالى: {فلا تدعو مع الله إلها آخر لا إله إلا هو} القصص الآية: 88.إلى ما هنالك من الآيات الكثيرة، الدالة على إفراد الله تعالى بالدعاء، وهذا ما يدلل على أن المقصود من الدعاء هو إقرار الوحدانية لله عز وجل، وإفراده بالدعاء فيه.

وهذا ما جاءت به السنة أيضا: عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله ...) رواه أحمد والترمذي.

الثالث: النهي عن دعاء غير الله: وهذا أيضا ورد بأساليب متنوعة، منها: قوله تعالى: {ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذن من الظالمين} يونس الآية: 106.وهذا أسلوب فيه الإنكار على الداعي. ومنها: قوله أيضا: {قل أرأيتم ما تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السماوات ...} سورة الأحقاف الآية:3. وهذا نهي عن دعاء غير الله بأسلوب الإخبار والاستخبار. ومنها قوله عز وجل: {قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ...} سبأ الآية: 22. وهذا أسلوب بصيغة النهي والإنكار. وهذه الآيات وغيرها فيها النهي والإنكار لمن يدعو مع الله غيره، ويشركه معه في الدعاء.

الرابع: لا يستجيب الدعاء إلا الله تعالى: وهنا أمر آخر جد مهم في مسألة الدعاء وهو أن الله تعالى قد أخبر في آيات كثيرة أنه لا يستجيب الدعاء إلا الله، ولا يجيب المضطر إلا هو سبحانه. قال تعالى: {ومن اضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة} الأحقاف الآية:4. وقوله أيضا: {إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم} فاطر الآية: 14.

قال الإمام القرطبي في الجامع: أي إن تستغيثوا بهم في النوائب لا يسمعوا دعاءكم، لأنها جمادات لا تبصر ولا تسمع " 14/215.ومنها قوله تعالى: {أمَّن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض أإله مع الله قليلا ما تذكرون} النمل الآية: 64. ولا يجيب المضطر إلا الله سبحانه جل في علاه.

فهذه الأمور الأربعة وغيرها تدل على أن الحكمة من الدعاء الاعتراف لله تعالى بالوحدانية، وإفراده بالعبودية والربوبية، سبحانه جل جلاله وعظم سلطانه، فهو المتفضل على عباده بالمنح والعطايا ما ظهر منها وما بطن.


Catégorie : - آية الدعاء ومعناها
Page lue 107 fois